الأربعاء، 31 ديسمبر 2014

فرحة عمري... *********** للكاتب محمود الشيخ

فرحة عمري...
***********
خرجت سامية من مكتبها على صوت ضجيج وصراخ في السكرتارية واستوضحت الامر لتجد أحد العملاء الذي لديه مشكلة كبيرة مع الشركة التي كانت سامية هي مديرها المالي والإداري واستطاعت سامية حل المشكلة العويصة واحتواء غضب العميل الذي أعجب بذكائها وسرعة بديهتها في حل المشكلة .
كانت سامية قد تخطت الثلاثون عاما دون زواج مما جعل أهل الحي الذي تقطن فيه يطلقون عليها لقب عانس ولكن سامية لم تبالي كثيراً بهذا الأمر وتفرغت لعملها واجتهدت فيه حتى وصلت لمركز المدير المالي والإداري وكانت أحد أعمدة الشركة الرئيسية .
تكررت زيارة العميل صاحب المشكلة لمكتب الأستاذة سامية بسبب وبدون سبب لإعجابه الشديد بسامية على الرغم من تواضع سامية من الناحية الشكلية ولكنه اهتم بما تملكه سامية من مقومات المرأة الناجحة وقال في نفسه (هذه من أتمناها ) .
تقدم أحمد لسامية وطلب الزواج منها ولكنها قالت له بصراحة أن هناك فارق في السن بينهما وتخوفت من هذا الفارق أن يؤثر على حياتهما فيما بعد وكلام الناس لا يرحم فطمأنها أحمد من هذه الناحية وقال لها ان هذه هي حياته وهو أدرى بها .
تم الزواج وفرحت سامية بحياتها الجديدة وأولت زوجها وبيتها كل اهتمامها وتمنت أن ترزق بطفل يملأ حياتها ولكن لكبر سنها فقد كانت تعاني من بعض المشاكل والتي تم حلها بعد فترة ببعض الأدوية والعمليات وبالفعل تم الحمل وزادت فرحة سامية وأحمد الذي كان من أسعد الناس بزوجته وبحملها .
وجاء اليوم المنتظر يوم ولادة سامية وذهبت سامية إلى المستشفى لتلد فرحة عمرها وشوقها وهاتفت زوجها قبل الذهاب للمستشفى وطمانته عليها وعلى أحوالها وأنه لاداعي لمجيئه وان يظل في عمله وذهبت بمفردها للمستشفى وبالفعل وضعت سامية مولودتها التي عرفت أنها بنت ( فقررت تسميتها فرحة ) وقامت بالاتصال بزوجها أحمد ولكن أحمد لم يرد على هاتف العمل وتكرر الاتصال ولكن لا مجيب حتى بدأ القلق يتسرب إلى نفس سامية بعثت بأخيها الصغير الذي جاء ليطمئن عليها مع والدتها بعد الولادة ليطمئن على زوجها موقع العمل الذي يعمل فيه وذهب أخو سامية إلى الموقع ولم يجد أحد من العمال أو المهندسين وأخذ يسأل فوجد حارس الموقع فأخبره بأن الونش قد وقع على رأس المهندس أحمد صاحب الشركة وتم نقله إلى المستشفى ، ذهب أخو سامية إلى المستشفى مسرعا يستفسر عن حالة أحمد فأخبره الطبيب أن المهندس أحمد قد توفى فور وصوله إلى المستشفى .
صعقت سامية بخبر وفاة زوجها وحبيبها أحمد وصاحب فرحتها الوحيدة في حياتها وظلت فترة غير متوازنة وأحست بالوحدة بالرغم من وجود أهلها بجانبها ولكنها أصرت أن تعيش بمفردها في شقتها ووهبت حياتها لابنتها فرحة وكانت لها كل شيء في حياتها أمها وأبيها وكل أهلها .
صارت الحياة هادئة جميلة بالوحيدتين " سامية وابنتها فرحة " حتى اتمت فرحة دراستها الثانوية بمجموع كبير وحققت حلمها وحلم أمها بدخول كلية الطب وانقضت أول ثلاث سنوات من دراستها بجد اوجتهاد وبدرجة امتياز .
في بداية السنة الرابعة من كلية الطب حدثت لفرحة حادثة قوية كادت أن تودي بحياتها لولا فضل الله عليها ولكن خرجت من الحادثة بشلل مؤقت أقعدها طريحة الفراش وزارها مجموعة من أصدقائها في الكلية وكان من بينهم زميلها " حسن " الذي كان يراقب فرحة عن بعد وكان معجبا بها وبجمالها ولكن دون أن يصرح لها بما يكنه في صدره تجاهها .
بدأ حسن يتردد على منزل فرحة بحجة الاطمئنان عليها تارة ونقل محاضرتها تارة أخرى وبدأت فرحة في التعلق بحسن وبهدوءه وأدبه الجم وشهامته معها حيث كان يأخذها بسيارتها للعلاج الطبيعي وإرجاعها هي ووالدتها والتي فتحت قلبها وبيتها لحسن هي الأخرى .
اجتازت فرحة المحنة ومعها حسن جنبا إلى جنب ولم يتركها حتى وصلا الاثنين إلى السنة النهائية واقتربا معا من تحقيق حلمها وحلم سامية بالتخرج والزواج والاندماج معا للأبد .
مع بداية الامتحانات النهائية ذهبت فرحة إلى أداء الامتحان واخذت تبحث عن رفيق دربها وصنو روحها حسن ولكن بحثها ذهب أدراج الرياح اختفى حسن فجأة ولم تفلح محاولاتها لإيجاده .
هكذا تبدد الحلم الجميل الذي عاشته فرحة طوال السنوات الثلاث الماضية واكتئبت فرحة بشدة ولكن أمها ذلك الجبل الذي لم تهزه الرياح طوال حياتها وقفت معها وأخرجتها سريعا من حالتها وأقنعتها أنه نصيب وقدر وإن كان خيرا لكان الله سبحانه وتعالى يسره وجعله في طريقها ، وبالفعل تجاوزت فرحة محنتها الثانية وأصبحت أكثر قوة من ذي قبل وتخرجت في كلية الطب وبمجموع كبير كعادتها وفرحت بها أمها كثيرا وكانت قد أعدت لها عيادة في حي راق هدية لها بعد انتهاء فترة التدريب في المستشفى الحكومي التابعة لمحل إقامتها .
وتخصصت فرحة في الأمراض النفسية والعصبية لحبها لهذا النوع من الأمراض لتعمقه في دراسة النفس البشرية وشجعتها أمها في هذا الاختيار وتمكنت فرحة في سنوات قليلة ان تصنع لنفسها اسما كبيرا في عالم الطب النفسي ونسيت أولنقل تناست حبها الأول ولكنها أغلقت قلبها ولم ترد فتحه لأحد مع كثرة المحاولات من جانب بعض الأطباء من زملائها ومن بعض المعارف والجيران ولكنها ظلت على موقفها وأعطت لعملها كل وقتها .
وذات يوم وفرحة مندمجة مع حالاتها في عيادتها فوجئت بالسكرتيرة تدخل عليها وتبلغها بوجود حالة منتظرة بالخارج منذ وقت طويل وتريد الدخول فأبلغتها بأن ترجئ موعدها للغد نظرا لإرهاقها الشديد ولكن السكرتيرة رجعت وقالت لها أن الحالة تريد الدخول وذلك نظرا لتعبها الشديد فسمحت لها بالدخول على مضض .
وقفت فرحة مذهولة مما رأته أمامها إذ رأت أمامها حب العمر " حسن " نعم إنه هو بشحمه ولحمه ولكنه ليس كما كان فقد كان حسن قمة في الأناقة والشياكة ولكنه الآن يتضح عليه آثار الإرهاق التعب وعدم النظافة كأنه لم يستحم منذ شهر على الأقل .
أخذت فرحة بيد حسن وأجلسته واستمعت له وقص عليها حسن قصته منذ أن كانا سويا فقد رجع في ذلك اليوم إلى بيته ووجد الشرطة والإسعاف في بيته لأن والده قد انتحر وذلك لخسارة كل أمواله في البورصة وبعدها حجز البنك على جميع ممتلكاته للوفاء بديونه وذهب عقل أمه ودخلت مصحة للأمراض النفسية وأصبح هو بين ليلة وضحاها في الشارع لا يجد ما يأويه ولا حتى ما يغطي جسده .
هكذا أصبح حسن من أولاد الشوارع فآثر أن يبتعد عن طريقها وأن يقطع كل ما يوصل إليه حتى لا يظلمها معه ، ودارت به الدنيا وأخذ يعمل أي عمل يجده حتى يستطيع العيش .
وجاء إليها بعدما سمع عنها وعن نجاحها لتمد له يد العون وبالفعل لم ترده فرحة خائبا وأخذته من يده وذهبت به إلى والدتها ودخلت عليها مسرورة مبتهجة بالعثور على توأم روحها وحبيبها حسن .
نهرتها أمها على ما أقدمت عليه بحضور حسن إلى بيتها ولكن فرحة قالت لها أنها أخيرا عثرت على روحها وحياتها من جديد وأصرت على استضافة حسن في بيتها ولكن أمها أصرت هي الأخرى على عدم استضافته وذلك لأنه لا يجوز شرعا ذلك غير أنه لن يسكت عنهم الناس بألسنتهم .
ففكرت فرحة في حل سريع وبالفعل استقر رأيها على الزواج من حسن وتحقيق حلم حياتها بالارتباط من حسن هذا الحلم الذي عاشت لأجله .
ووافقت سامية على مضض بعد إصرار ابنتها فرحة ولأنها اعتادت على ألا ترد لها طلب وتم الزواج وعاشت فرحة أياما وليالي سعيدة هانئة ولم تتركها أمها وعاشت معها واعانت فرحة زوجها وحبيبها حسن ليكمل دراسته ويتخرج من كلية الطب ويتخصص في أمراض النساء والتوليد رغبة منه في الثراء السريع لتعويض ما خسره في حياته.
وصنع حسن اسم كبير في عالم طب النسا والتوليد وأصبح من الأطباء المعدودين في هذا المجال ، وتحقق حلم فرحة بالحمل من رفيق دربها وحبيب عمرها حسن ومرت شهور الحمل الأولى على خير وسعادة ولكن فرحة بدات تلاحظ تغييرا في سلوك حسن من إهمال لها وعدم إحساسه بها كما كان من قبل فبدأ القلق يتسلل لقلب فرحة وقامت بمراقبة هاتفه وتحركاته وتاكدت من انه يخونها وانه خان عهد المحبة الذي وقعانه سويا فاتخذت قرارا وقامت بتنفيذ وهو التخلص من الجنين قبل ولادته لعدم رغبتها في الارتباط به بعد الآن لأنه لا يستاهل حبها ولا إخلاصها ووفاءها له.
علم حسن بما فعلته فرحة من عملية إجهاض لحملها وثار وهاج في وجهها وفاجأته فرحة بطلب الطلاق والانفصال النهائي وفي ثورته وغضبه وافق على طلبها وبالفعل تم الانفصال.
ارتمت فرحة في حضن أمها سامية تنعي حظها وتبكي بشدة لكن أمها عنفتها على بكاءها وقالت لها لا يجب أن تبكي على هذا الخائن الذي لا يستأهل حبها من الأساس واخرجتها سامية من حالة الإحباط مرة ثانية كأنه مكتوب على سامية أن تعمل طبيبة نفسية لابنتها الطبيبة النفسية المشهورة وعاشتا سويا في راحة وهدوء .
مرت بضعة سنوات وفرحة على حالها وأمها بجوارها ترعاها وتقوم عليها كأنها الطفلة التي لم تتجاوز العاشرة وظلت تعاملها كما تعامل الأطفال وهكذا مرت الأيام والسنين حتى فوجئت فرحة بباب الشقة يدق في ساعة متأخرة من الليل فقامت مهرولة فزعة لترى من الطارق فإذا بها تجد حسن على الباب يقف ذليلا يرجو منها أن تعطف عليه وتسمح له بالدخول وأقسم انه نادم على ما فعله بها وأن الله قد اقتص لها منه بأنفقد كل ما يملك بعد أن تعرض لعملية نصب من إحدى الساقطات التي كان على علاقة بها وهكذا فقد خلص لها القدر حقها وتارها .
نظرت إليه فرحة بنظرة واجمة مندهشة مما صار إليه حاله ولكنها أبدا لم تلين ولم يرق له قلبها وأغلقت الباب بكل قوة وأخذت في البكاء وارتمت في حضن أمها سامية التي قالت لها نعم الفعل ما فعلتي يا ابنتي تعالي هنا نعيش سويا وحيدتين أحسن لنا انا وأنتي فقط يا " فرحة عمري".......انتهى
********************
محمود الشيخ
navright

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق