الثلاثاء، 16 سبتمبر 2014

فسوينا منه عارضا *** بقلم الاديب / حسن السملونى

فسوينا منه عارضا بما نزع منهم من مضمر حين نزل من المدينة رفقة العشيرة ضيفا ، وتآلفت والمكان نخيله عني أقصى غربة في خاطري، كنت أخشي منها أن يجتث النخيل من ذاكرتي، فكان الرحيل إليها مشيا على الأقدام، نحصي في العبور الأيام والشهور، والهلال في سمائه كلما هل ساعة نحصي به الزمان، والخطو بطيء والمسافة تبدو لا متناهية، والمشي أضنى الأقدام خلف أثان هزيلة، والسقم بها دب حتى صارت ضامرة، ومن ثقل أمتعة عليها تحمل يسمع شهيق أنفاسها.
وبدار بالحي العتيق كان النزل، والشروخ بجدار بيوتها ترعب النفس، والخوف من انقضاضها يذهب النوم عن جفن على حضنه يحط الأرق في الظلماء ناعقا، وعند قضائه مآرب البيت كان يخترق زقاقها الضيق جريا، وفي المساء يلهو لبعض الوقت تحت مصابيح خافتة الضوء، إلى أن يقدم الحراس على طرده من الوقت، فاصطحب الجد ذات عيد إلى حيث يشتغل إماما بدار القائد، أجيرا والثمن زهيد، به يعول تركة من الأحفاد، والدهر قاس والفقر مستفحل، والناس على لقمة العيش تتقاتل، وقال إنه كان يسمع صوت الجد الرخيم ينادي بهمس محتشم مواقيت الآذان، والقائد لا يجيئه في المواعيد، وإذا أتى وقف من خلفه متكبرا متعجرفا على سجادة من حرير، وكأنه على المصلين يجود بحضوره، غير مدرك أن الموت سيقتلعه يوما من الجنة التي ينعم بلذائذ العيش فيها، حسناوات مختلفة مشاربهن لفراشه زينة، وجوار حقيرات قدمن هدايا في أعياد المواسم، عوانس بالمطابخ يقمن خادمات، والشغل شاق والأعمار متفاوتة، ومنهن قاصرات والسوط يلسع ظهورهن إن أخطأن، وليس لهن باحة قيلولة إلا قبرا فيه تغمض الأجساد، وعبيد نواذل للإقامة فرض عليهم بثر الخصيتين.
الرحاب مقوسة والأعمدة يكسو الرخام سمقها، والشرفات بالقرميد الأخضر وضع لها زينة، ورياض لدار الضيافة يتوسط، وبه من كل شجرة مثمرة زوجان، فاكهة ممنوع على الأيادي قطفها، ومن نافذة كل فصل تلوح ثمار مختلف ألوانها، و الأفنان و العروش بها مثقلة، وعندما تبلغ نضجها وتتزبب نظارتها لا تجلب شهية الرب للقطف، لأنه من شهوات الحياة متخم، فتقلي الشجرة من أفنانها ما بها من ثمر، لما ترى عين فقير بالدمع تغازلها، ولابد من نفس اشتهت لمسها، فتلقي الثمرة بنفسها ميتة من شرفة الغصن، فيتلقى لها قن في الحضيض، وبها يرمي في برميل القمامة، وقبالة الأريكة التي عليها الرجل يجلس، أقيمت سقاية قوائمها من زليج ألوانه وزخاريفه باهيه في الجمال، وماؤها المعين رقراق يصب في جدول خريره يغازل سكون المكان، ومن خمرته تحتسي الأشجار شرابها، مكانه المفضل والأريكة فراشه ومن كوب بلور يستشف شرابه على نغم عصافير فوق عروش خياله تزقزق، والشمس جانحة إلى المغيب، والغسق عتمته تظلل الرياض، والمصابيح المعلقة على الجدار أرخت على وجنتها وميضا صفرته خافتة، لوحة من الجمال تنفذ إلى النفس فيولد الإغراء بها شاعرا بعذريتها يتغزل، و من شرفة تطل على الرياض لاح ظل سيدة تتخطى عقدها الرابع، تروح عن نفسها فيطول بها المقام شاردة، فكأنها راحت رفقة المغيب إلى أمكنة من طهارتها تتنسم، وتستنشق من زهرة قرنفل أريجا يذكرها بذكر فض بكارتها، ثم منها ضاع، ومن مضجعها هجــــــــــــر إلى نســـــــــوة بالــــــــدار لا يقربهن إلا من تزببت بكارتها، وبينما هي تسعى في شرودها لافظة عنها ما تبقى بها عالقا من أنوثتها، حتى رشقها الغلام بحبة زيتونة، وتوارى عنها خلف جدع الشجرة، فغطست بنظرات سوداوية تبحت عن منادي بالإشارة تكلم، فهل كالهلال في عيونها الغلام ضحوكا، ونشيش البسمة يلاطم خواطر كاد يصيبها الهلاك فصب الغلام كأس الطفولة في وجدانها، همسه الرقراق نفذ إلى جنانها، فاخرج من المقل دمعا على الخد لم يجد مصبا لمجراه، ونسجت باحة حلم فيها يكون لها الأنيس السامر في حضنها، ولما برز أمام عيونها بجلبابه الرث، أغمض جفن الطفولة عابتا كأنه يشير لها بطرف العين مغازلا، وخبر نفسها هاجس أن الغلام حاذق ويحمل من الجمال طعما به إلى القلوب ينفذ، فبسطت له من القلب يد الهوى، والحضن خيمة بنت ليكون له مقر لهو، ثم جنت عن بصره لحظة، فخال أن غيمة مرت بينهما وأرخت حجابا، ثم ظهرت تنزل الدرج مسرعة والنقاب لباس على وجهها، والشال لفاف على الهامة والجيد، ووشاح الفرح من نظراتها يلوح توهجه، ودون استئذان الجلواز، همت عليه دخولا، وأمامه نصبت جسدها جتوا، تستعطف والعين من حزن كادت تصب دمعا، وقالت إن زهرتي لم تعد تعطر مقامك لما تأوي إلى الحضن، وليس لي من قمر يضيئ بيتي الحالك من العقم، ولقد أحرقت من الشموع به ما أضاء نشوة الإفتضاض، ورحمي منك لم يرزق بجنين أتباهى به بين نسوة الدار، واليوم إني طالبة منك حفيد الإمام، به أرضي نفسي مربية، وانقضت بجسدها في حضنه، فرفع ناصيتها بيده والدمع من مقلها يذرف، وطأطأت أمامه رأسها، وهو يدلك شفته بقواطعه، ثم قطب حاجبا ورمى أصابعه يفرك جبينه، ثم أشار لها بظهر كفه إن أمرها مقبول تتبع
navright

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق